ذات ليلة اغبرت السماء متلبدة بسحب ثقيلة، مشى العم خالد الى بيته بعد انقضاء النهار وهو يحرث ارضه ، وحين المساء قابله بركن قريته بزاوية الفرن رجل اعتاد ان يلعب معه ''الدومينو'' قال: الا تاتي لتسترزق معنا نحن ذاهبون للسعي ..
رد عمي خالد : لا حاجة لي بالسعي معكم .. اذهب بحالك
ودخل عمي خالد بيته ، اغتسل وزوجته عمتي خديجة ، تخاطبه :كيف كان يومك ؟ تبدو متعبا جدا ؟ (وهي تهم بسكب الطعام له )
قال: الحمد لله على كل حال
طق طق طق ... الباب يقرع فجاة..
العم خالد :من هناك
الطارق. :انا عمك علي تعال اريدك بمسالة
خرج عمي خالد ليرى مالأمر ..
:ماذا هناك يا شيخ علي ..
قال الشيخ علي: ماذا دهاك لا تذهب للسعي مع الشباب ،
رد عمي خالد : لا والله ما بي شيء لكن لا اسعى واترك اهلي وبيتي وحده ..
رد الشيخ علي: لا اقبل على نفسي هذا .. بيتك وعيالك بعهدتي فلا والله لن ينقصهم شيء فاذهب واطلب رزقك مع الشباب ولا تقلق فاني باذن الله لك معين .. وان بيتك وعرضك امانة برقبتي ..
دخل عمي خالد لبيته وطلب من زوجته ان تحرص على أطفالها وبيتها حتى عودته ، وخرج ساعيا مع الشيخ علي
كانوا اربعة رجال وعمي خالد يتقصون المخزن من بعيد ، لا احد بجانب الباب ،،،
_هيا لنتقدم تكلم ملثم منهم
تقدم الكل فإذا بالمخزن غيرَ محروسٍ ، أخذوا أكياس الطحين والنخالة والشعير ، تناقلوه على دفعات بعيدا عن المخزن ، ثم توجه أحدهم عائدا أحضر دابتين اِحداهما لعمي خالد ومضوا إلى بيوتهم .
وضع عمي خالد كيسَيْ الطحين على ظهر دابته_ الماصرية_ كما يسميها ، يقول أنّها دابة سريعة رشيقة ومن أعز دوابه التي يربيها عنده ..
يقول : اخذنا الطريق الغربي بعيدا عن ضوضاء الطرقات مشوا ما يقارب ساعتين إلى ان وصلوا إلى مفرق طريق معبَّدٍ جديد ...كان عمي خالد يُشفق على دابته فلم يركبها إلى أن وصل الى الطريق ، وما إن وصل حتى قفز على ظهرها متأهبا للانطلاق ، فانطلقت المسكينة على عادتها مسرعة فإذا بها الفاجعة ..
تقفز تلك الدابة مسرعة الى ان تنزلق أماميتاها بالطريق المعبّد وتنفتح على كلتا يديها ليكسر كتفاها مرة واحدة ، ويسقط عمي خالد وكيس الطحين على راسه ،،،
_لا حول ولا قوة الا بالله ، رحمتك ربي ضاعت دابتي بحزن شديد تكلم عمي خالد ..
وأخذ يقلب كفيه .حمل كيسي الطحين على دابة صديقه أوصلها الى بيته ثم عاد للدابة ليساعده أصدقاءه في حملها الى بيته.
لما وصلوا صار الشباب يكثرون اللغو عليه :
_وجب عليك ذبحها لتقي نفسك وزر عذابها هذا ..
تكلم احد الملثمين
_كيف لي أن اذبح دابتي وهو مهموم وحزين ..
_ستأكلها الغربان إن لم تفعل وتأخذ وزرها ما حييت..
وضع عمي خالد الدابة بحوش البيت العتيق وتركها للصباح لينظر في أمرها ودخل الى زوجته قال خبئي الطحين إلى يوم عوز او حاجة ..
انقضى الليل وحل الصباح فتح عمي خالد عينيه وبباله فقط حال دابته ، هرول مسرعا للخارج ليتفقدها ،
_يا ربي لطفك ..
كان عمي خالد طوال الليل يتحسر على ما قام به ونادم عليه ليفيق في صباح يومه التالي ليجد دابته قد اقتلعت عيناها ، وأكلتهما الغربان . ذرف دموع حسرة على دابته وانحصرت غصته تخنقه فتجمع الجيران حوله
_اذبحها احسن لها من هذا العذاب ..
فقام متحسرا على ما آلت اليه الامور ، وذبح حبيبته ورفيقة دربه الماصرية التي تجابه اروع فرس بزمانها ..
ذبحها والدموع تنهمر وياليتها تغسل حزنه الدفين بفراقها..
بقي مطولا في زاوية بيته لوحده ، ورفض ان يكلمه احد واخذ يكلم نفسه: اهٍ لو انني لم أذهب للسعي معهم وأي سعيٍ في رزق حرام ، رزق الآخرين وسرقته؟!!
وهو يحاور نفسه. الاكيد ان الله لا يريد لي الرزق الحرام لذلك اعطاني تلك الأمارات لأستيقظ وأفيق من غفلتي
فالحرام ليس لي ، لقد اخذ عزيزتي ''الماصرية '' بعدما كسرت اطرافها واكلت عيناها ثم ذبحتها بيديا هاتين وهو يجهش بالبكاء ...
وذهب الى بيته والحسرة تأكله..






0 التعليقات:
إرسال تعليق